المتتبع للأحداث في الجزائر سيلاحظ لا محالة اللغط
الكبير الذي صاحب تصريحات وزير التعليم العلي الجزائري في رده على أسئلة
أعضاء مجلس الأمة، خلال جلسة علنية، خُصصت لتقديم ومناقشة مشروع القانون المتضمن
القانون التوجيهي حول التعليم العالي والتطوير التكنولوجي.
هذا اللغط حدث بعد تداول مقطع من كلام الوزير يظهر فيه
أنه يقلل من مستوى الاستاذ الجامعي ويصفه بالصفر، وهوما أثار حفيظة العديد من الأساتذة
الجامعيين وانطلقت معها مطالب بالاضراب والقيام بوقفات غضب لرد الاعتبار للاستاذ،
لكن سرعان ماجاء التوضيح والذي كان باعادة نشر كلمة الوزير كاملة والتي حملت معاني
أخرى عكس ماتم الترويج له، ليتبعه توضيح رسمي من الوزير، رغم هذا مازال العديد من
الأساتذة وعلى رأسهم المنسق
الوطني لمجلس أساتذة التعليم العالي “الكناس” الدكتور
ميلاط، يعتبرون الوزير مخطأ ويجب عليه الاعتذار وهناك تلويح برفع دعوة قضائية ضده.
لكن الملاحظ في هذا الضجيج واللغط هو موقف المتابعين
لهذا الصراع المفتعل بين الاساتذة الجامعيين ووزير قطاعهم، فالغالبية أخذت موقفها
بين مدافع عن الوزير وانتقاد إلى حد الانتقاص من قيمة الاساتذة الجامعيين والتشكيك
في مستواهم وفي شهاداتهم الجامعية (الحصول على الشهادة عن طريق الوساطات، وشرائها،
....)، وأقلية دافعت باحتشام عن الأستاذ، لكنه دفاع دافِعُه التحريض ضد نظام لا
يرونه يتغير في وقت يقدم نفسه على أنه نظام جديد، وبالطبع فالوزير هو أحد وجوه هذا
النظام.
والسؤال الذي يطرح نفسه من خلال ماسبق هو ماهي أسباب هذه
الهجمة على الأستاذ وماهي تبعياتها الأخلاقة؟
والمراد هنا هو تسليط الضوء على إشكالية أخلاقية تنخر
مجتمعاتنا العربية عامة ومجتمعنا الجزائري على وجه الخصوص وهي إشكالية التعامل مع
مصطلحات لها قدسيتها المعنوية وهدم هذ القدسية، ومآلات هذا الهدم.
فمصطلحات كمصطلح الأستاذ، المعلم، الإمام، القاضي،....هي
مصطلحات معنوية وليست شخصية ولا يمكن شخصنتها في تصرف أحد الحاملين لهذه الصفة،
فوجود قاض مرتش لا يعني أن نهدم قدسية القاضي كمصطلح ولكن وجب الفصل بين الفعل
المشين للشخص عن اللفظ العام ومعاقبة الشخص لا اللفظ، وقد يقول قائل أن تفشي ظاهرة
الرشوة بين القضاة يهدم قدسية المصطلح، لكن الاجابة أن تفشي الظاهرة في رقعة
جغرافية معينة قد لا يكون في مناطق أخرى (التغني باستقلالية القضاء ونزاهته في
العالم الغربي) ويمكن القول بعبارة أدق: أن أغلب من يمتهنون القضاء في بلد ما هو
مرتشون، وهذا سبب غياب العدل، بدل القول: أن القضاة مرتشون.
وتبعات انهيار قدسية اللفظ ليست فقط في انهيار الثلة
الخيرة الحاملة لهذا المصطلح، بل انهيار منظومة أخلاقية ومجتمعية. فبانهيار مصطلح
قاض ينهار العدل في بلد، فهو بمثابة التسليم بانعدام واستحالة العدل، وانهيار كلمة
معلم وأستاذ (ركز على المصطلح وابتعد عن الشخصَانية) ستنهار المنظومة التربوية والأخلاقية،
ففي بلد كالجزائر يكاد لا يخلو يوم دون أن تسمع عن تلميذ ضرب أستاذه أو معلمه،
ناهيك عن الاهانات المتكررة حتى أصبحت علامة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، ومؤخرا
تم تناقل فيديو لبعض التلاميذ يسخرون من مدرس الانجليزية، وفي المغرب فيديو لتلميذ
يضرب معلمه. وأخفها أن تلتقي بتلميذ في مرحلة المتوسط (الاعدادي) ينشد وهو خارج من
المؤسسة التعليمية: قم للمعلم واعلفه شعيرا....كاد المعلم أن يكون بعيرا، مثل هذه
الظواهر كانت تستدعي الوقوف عندها والبحث عن المسببات التي أدت إلى انهيار قيمة
المعلم والأستاذ في مجتمعاتنا.
وبدل البحث عن الأسباب والحلول تجد الآباء وكثير ممن
يحسبون على الطبقة المثقفة ينساقون وراء الدعايات الكاذبة بل يقتنصون أي فرصة
لانتقاد المعلمين والأساتذة والأئمة على العموم دون أن يشعروا بخطورة تعليقاتهم أو
سلوكاتهم، والتي ساهمت بشكل كبير في انهيار قيمة هذه المصطلحات وبالتالي عدم
احترام أصحابها. والنتيجة هي لا يمكنك التعلم من شخص أنت أصلا لا تحترمه فضلا عن اعتباره
عدوا. في المقابل تجدهم يحملون النتائج الكارثية التي يحصل عليها أبنائهم للمعلم
والأستاذ في حلقة مغلقة، يدينون وهم الأبرياء وأبناؤهم الضحية والمعلم والأستاذ
المتهم، حتى وإن وجد من هم ضعيفي المستوى داخل هذه القطاعات فهذا لا يبرر أن تكون
معول هدم لهذا المصطلح النبيل.
وان كان العتاب الكبير موجه لمن هم خارج دائرة هذه
المصطلحات الحساسة فالعتاب كذلك لمن هم ينتمون لها، فلا بد عليهم أن يتحملوا
مسؤوليات حمل هذا الشرف والتكليف، فهي أمانة فلح من صانها وضاع من ضيعها.
وفي الأخير لابد من القول أننا في بلد كالجزائر وصلنا إلى
حلقة مغلقة، فمخرجات منظومة تربوية هزيلة هي مدخلات للجامعات ولك أن تتوقع نتيجة
معالجة مدخلات بدون جودة، أكيد ستكون مخرجات من نفس الصفة، وهذه المخرجات هي
المعلم والاستاذ والطبيب والمحامي والقاضي ووووو.
فالأمر يستدعي المراجعة الجدية، هذه المراجعة منطلقها
الذات لا السلطة والنظام فالسنن الكونية واضحة: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).



0 Comments:
إرسال تعليق